محمد بن جرير الطبري
302
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
عليهم رحاها ، وصمم عليهم أبناؤها ، ظما إلى دمائهم ، ولوا ادبارهم ، ومنح الله أكتافهم ، وأوقع بأسه بهم ، فقتلت منهم جماعه لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة ، ولم يتحصنوا من عقابه بامانه ، ثم ثابت ثانيه ، فوقفوا بإزاء الأولياء ، وعبر إليهم أشياعهم الغاوون من عسكرهم بباب الشماسية الف رجل من انجادهم في السفن ، معاونين لهم على ضلالتهم ، فانهض لهم محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاه بن ميكال مولى طاهر نحوهم ، فنفذوا ببصيره لا يتخونها فتور ، ونيه لا يلحقها تقصير ، ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين . فلما وافى الشاه فيمن معه أعداء الله ، وكل بالمواضع التي يتخوف منها مدخل الكمناء ، ثم حمل من توجه معه من القواد المسمين ماضين لا يغويهم الوعيد ، ولا يشكون من الله في النصر والتأييد ، فوضعوا أسيافهم فيهم ، تمضى احكام الله عليهم ، حتى الحقوهم بالمعسكر الذي كانوا عسكروا فيه وجاوزوه ، وسلبوهم كل ما كان من سلاح وكراع وعتاد الحرب ، فمن قتيل غودرت جثته بمصرعه ، ونقلت هامته إلى مصير فيه معتبر لغيره ، ومن لاجئ من السيف إلى الغرق لم يجره الله من حذاره ، ومن أسير مصفود يقاد إلى دار أولياء الله وحزبه ، ومن هارب بحشاشة نفسه ، قد اسكن الله الخوف قلبه ، فكانت النقمه بحمد الله واقعه بالفريقين ممن وافى الجانب الغربي قادما ، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقي منجدا ، لم ينج منهم ناج ، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم ، ولا اقبل إلى الله مقبل ، فرقا أربعا يجمعها النار ، ويشملها عاجل النكال ، عظه ومعتبرا لأولي الأبصار ، فكانوا كما قال الله عز وجل : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ . » ولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التي كانت في الجانب الشرقي والقتل محتفل في اعلامهم ، والجراح فاشيه فيهم ، حتى إذا عاينوا ما انزل الله بأشياعهم من البوار ، وأحل بهم من النقمه والاستئصال ، ما لهم من الله من عاصم ، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل ، ولوا منهزمين مفلولين منكوبين ، قد